على النخب العلمية أن تكرّس جهودها لتقدم إيران.. والعدو يسعى إلى سلب الشعب الإيراني دينه وعلمه

دعا رئيس أكاديمية اللغة الفارسية وآدابها النخب العلمية إلى تسخير قدراتها لخدمة تقدم البلاد، مؤكدًا ضرورة الربط بين العلم والإيمان والشعور بالمسؤولية. واستنادًا إلى خبرته التي تمتد لأربعة عقود في مجال الأولمبيادات العلمية، اقترح إنشاء جامعة يتولى فيها الفائزون والمتفوقون في هذه الأولمبيادات التدريس بصفتهم أعضاء هيئة تدريس

أدلى الدكتور غلام علي حداد عادل، رئيس أكاديمية اللغة الفارسية وآدابها، بهذه التصريحات خلال حفل تكريم أصحاب المراتب المتقدمة في امتحان القبول الجامعي الوطني وحائزي الميداليات في الأولمبيادات العلمية العالمية، الذي أُقيم في الحرم الرضوي المطهر بحضور آية الله أحمد مروي، متولي العتبة الرضوية المقدسة.

وهنّأ حداد عادل النخب العلمية وأسرهم على إنجازاتهم، معتبرًا أن ما يحققه الشباب الإيراني في المنافسات العلمية والرياضية مصدر فرح وأمل للمجتمع، ومؤكدًا ضرورة دعم المواهب العلمية في البلاد.

وأشار إلى الاختلاف بين الصدى الاجتماعي لإنجازات الرياضيين وحائزي ميداليات الأولمبيادات العلمية، موضحًا أن جهود الرياضيين في ميادين المنافسة تكون واضحة أمام عامة الناس، في حين لا يسهل على الجميع ملاحظة الجهد الذهني والفكري الذي يبذله طالب لحل مسألة علمية صعبة. ومع ذلك، فإن أساتذة الجامعات والعلماء وكل من يعرف صعوبة هذا المسار يدركون قيمة جهود النخب العلمية، ويعلّقون آمالهم على قدراتهم في بناء مستقبل أكثر إشراقًا.

حداد عادل يستعيد بدايات الأولمبيادات العلمية في إيران

استعرض رئيس أكاديمية اللغة الفارسية وآدابها تجربته في تأسيس الأولمبيادات العلمية في البلاد، قائلًا إنه قبل نحو أربعين عامًا، وتحديدًا في عام 1986، عندما كان يتولى وزارة التربية والتعليم، أوفد خبيرين في الرياضيات إلى الخارج للمشاركة في مؤتمر حول تعليم الرياضيات. وبعد عودتهما، عرّفاه بالأولمبيادات العالمية للرياضيات وقدّما إليه نسخًا من أسئلة تلك المسابقات.

وأضاف حداد عادل أنه كان يشعر قبل ذلك بالقلق إزاء تراجع إقبال الطلبة على دراسة الرياضيات، ولذلك أطلق مسابقة وطنية في هذا المجال لتشجيعهم. وبعد تعرّفه إلى الأولمبياد العالمي، قرر إيفاد ستة من الفائزين في المسابقة المحلية إلى كوبا للمشاركة في المنافسات العالمية.

وفي حديثه عن ضيق الوقت المتاح لإعداد أول فريق إيراني، أوضح أنه طلب من الدكتور نجفي، وهو أحد طلابه السابقين في جامعة شريف للتكنولوجيا وصاحب تجربة ناجحة في مسابقات الرياضيات، تولي مهمة الإشراف على الفريق. ولم يكن أمام الطلبة سوى أسبوع واحد للاستعداد للمشاركة.

وتابع حداد عادل أن البلاد كانت آنذاك في خضم الحرب المفروضة وتواجه ظروفًا صعبة، إلا أنه جرى، قبل مغادرة الطلبة، ترتيب لقاء لهم مع رئيس الجمهورية آنذاك، الذي أشار إليه بصفته الرئيس الشهيد. واستذكر دعم الرئيس وتشجيعه لأعضاء الفريق، موضحًا أن الطلبة تمكنوا بعد مشاركتهم في المنافسات العالمية من إحراز ميداليات لإيران. وقد شكّل هذا النجاح حافزًا لمواصلة التجربة وتوسيع الأولمبيادات لتشمل تخصصات أخرى، كما أسهم في تأسيس نادي الباحثين الشباب.

القدرات العلمية للشباب الإيراني في المنافسات العالمية

واستنادًا إلى سنوات من العمل في مجال الأولمبيادات العلمية، أشاد حداد عادل بقدرات الطلبة الإيرانيين، مستشهدًا بواقعة من إحدى دورات الأولمبياد العالمي للرياضيات في الصين.

وقال إن مسألة صعبة في الهندسة طُرحت خلال إحدى الدورات، ولم يتمكن أي من أعضاء الفريق الصيني من حلها، في حين نجح أعضاء الفريق الإيراني الستة جميعًا في التوصل إلى الحل. والأكثر لفتًا للانتباه أن كل طالب منهم توصل إلى حل مختلف عن الآخرين.

وأضاف أن الدكتور كرم‌پور، الذي كان يشرف على الفريق آنذاك، جمع الحلول الستة التي قدمها الطلبة الإيرانيون ونشرها في مقال علمي. وأوضح أن تجارب من هذا النوع عززت قناعته بقدرات الشباب الإيراني وإبداعهم العلمي خلال سنوات عمله مع طلبة الأولمبيادات.

حداد عادل: العدو يسعى إلى سلب الشعب الإيراني دينه وعلمه

وفي جانب آخر من كلمته، أشار حداد عادل إلى مساعي المؤسسات العلمية والجامعات الأجنبية لاستقطاب النخب الإيرانية، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على رأس المال البشري في البلاد. وقال إن أعداء إيران يترقبون مواهب شبابها، وإن استقطاب هذه الكفاءات قد يحرم البلاد من إسهاماتها العلمية، في الوقت الذي تستفيد فيه دول أخرى من قدراتها.

واستشهد بتصريح للقائد الشهيد مفاده أن العدو يسعى إلى سلب الشعب الإيراني دينه وعلمه، متناولًا في هذا السياق الهجمات التي تستهدف المراكز العلمية واغتيال العلماء.

وأوضح أن أي ثورة لا تستطيع تحقيق أهدافها من دون إعداد كوادر بشرية كفوءة وإطلاق نهضة علمية وتعليمية بعد انتصارها. ومن هذا المنطلق، شدد على ضرورة توجيه الإمكانات والموارد اللازمة لتربية الجيل الشاب وتأهيله لتولي مسؤولية إدارة البلاد ومعالجة مشكلاتها.

توصية للنخب العلمية: اجمعوا بين العلم والإيمان والأخلاق

وفي سياق حديثه عن تجربته في التعليم والعمل الجامعي، توجّه رئيس أكاديمية اللغة الفارسية وآدابها إلى الشباب قائلًا إنه يرغب في مخاطبتهم من موقع المعلم والجد، وكانت أولى توصياته لهم المحافظة على التدين إلى جانب طلب العلم.

واستشهد ببيت للشاعر الفارسي سنائي الغزنوي يحمل معنى التحذير من طلب العلم بدافع الطمع والتعلق بالدنيا، موضحًا أن العلم إذا لم يقترن بالأخلاق والروحانية والخشية من الله، فقد يتحول إلى أداة للإضرار بالآخرين. وأكد أن العلم وحده لا يضمن السلوك الأخلاقي، في حين يمكن للإيمان بالله أن يعزز التزام الإنسان بالقيم الأخلاقية.

ودعا حداد عادل الشباب إلى إبقاء قلوبهم منفتحة على الله وتقدير صفاء مرحلة الشباب، مؤكدًا أن التقدم العلمي يحقق غايته المنشودة عندما تترافق معه المحافظة على القيم الأخلاقية والروحية.

«كرّسوا أنفسكم لخدمة وطنكم»

وفي توصيته الثانية، دعا حداد عادل النخب العلمية إلى تكريس قدراتها لخدمة الوطن والمجتمع. وأشار إلى دور الأسرة والمجتمع في نجاح الشباب، موضحًا أن التفوق العلمي ثمرة جهود الأفراد ورعاية الوالدين، لكن لا ينبغي إغفال إسهام المجتمع والاستثمارات العامة في تنمية هذه المواهب.

وأكد أن الموارد العامة والضرائب التي يدفعها المواطنون تُنفق على التعليم وتطوير الكفاءات العلمية، معتبرًا أن إدارة الظهر للوطن بعد الاستفادة من هذه الإمكانات تتعارض مع المسؤولية الاجتماعية.

ولتوضيح فكرته، روى حداد عادل حكاية شخص أضاع مفتاحه داخل منزل مظلم، لكنه أخذ يبحث عنه في الشارع تحت مصباح مضيء. وعندما سُئل عن سبب عدم بحثه في المكان الذي فقد فيه المفتاح، أجاب بأن المكان مظلم وأن البحث تحت المصباح أسهل.

وشبّه حداد عادل هذه الحكاية بحال من يبحثون عن فرص في الخارج لمجرد توافر إمكانات أفضل هناك، بدلًا من السعي إلى حل مشكلات بلادهم. وشدد على ضرورة توظيف النخب العلمية معارفها وقدراتها لمعالجة تحديات إيران وتحسين أوضاعها.

ذكريات الدراسة على يد الدكتور محمود حسابي والتأكيد على خدمة إيران بالعلم

وفي جانب آخر من كلمته، استعاد حداد عادل ذكرياته عن دراسته الجامعية في عامي 1964 و1965، موضحًا أنه درس البصريات على يد الدكتور محمود حسابي في جامعة طهران خلال تلك الفترة.

وأشار إلى أن الدكتور حسابي تلقى تعليمه في فرنسا وكانت أمامه إمكانية مواصلة مسيرته العلمية في أوروبا، لكنه اختار العودة إلى إيران. وعلى الرغم من الصعوبات التي شهدتها البلاد آنذاك، بقي حسابي فيها وأسهم في إعداد أجيال من علماء الفيزياء.

ولفت حداد عادل إلى التقدم العلمي الذي حققته إيران في مجالات مثل تكنولوجيا الفضاء، مؤكدًا أن إنجازات اليوم هي ثمرة جهود واستثمارات علمية بذلتها أجيال من الأساتذة والباحثين الذين اختاروا العمل في إيران وتدريب طلبتها رغم التحديات. واعتبر هذه التجربة تذكيرًا بمسؤولية النخب العلمية تجاه مستقبل البلاد.

اقتراح إنشاء جامعة يتولى التدريس فيها المتفوقون في الأولمبيادات العلمية

وفي ختام كلمته، تحدث حداد عادل عن اهتمامه الممتد لسنوات بشؤون طلبة الأولمبيادات، مستعرضًا طموحه إلى إنشاء جامعة خاصة بهذه النخب، يُختار أعضاء هيئتها التدريسية من بين المتفوقين في الأولمبيادات العلمية بمختلف التخصصات.

وأوضح أنه يمكن النص في النظام الأساسي للجامعة على مسار واضح يتيح للطلبة المتفوقين في الأولمبيادات مواصلة دراستهم ثم العودة إلى الجامعة للعمل أساتذة فيها. وأضاف أن جمع هذه الكفاءات في مؤسسة جامعية واحدة يمكن أن يوفّر قدرة متميزة لدفع التقدم العلمي والتكنولوجي في البلاد.

وفي إشارة إلى إمكانات العتبة الرضوية المقدسة، أعرب رئيس أكاديمية اللغة الفارسية وآدابها عن أمله في أن تسهم عناية متولي العتبة ودعمه في دراسة هذا المقترح والعمل على تحقيقه، بما يشكل خطوة نحو إحداث قفزة علمية وتكنولوجية في البلاد.

رمز الخبر 10250

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha