وفقا لما ذكره المرحوم الأستاذ عزيز الله العطاردي في كتاب «تاريخ العتبة الرضوية» كان أبو بكر ابن خزيمة، أحد فقهاء أهل السنة، يأتي لزيارة حرم الإمام الرضا (ع) مع طلابه في ذلك الزمن، وكان يعقد حلقات الدراسة والبحث بجانب المرقد الطاهر للإمام الرضا عليه السلام. ومن بين علماء الشيعة، حظي العديد من العلماء مثل الشيخ الصدوق بشرف التدريس بجوار المرقد الطاهر للإمام الرضا عليه السلام، وقد وُثّقت تقارير دروس الشيخ الصدوق ومناقشاته وبحثه في كتابه «الأمالي»، ويبدو أن الحرم الرضوي كان مركزاً مهماً وبارزا في مجال تعليم وتدريس العلوم الإسلامية، على الأقل منذ منتصف القرن الرابع، والدليل على ذلك هو إعداد وتربية طلاب متميزين في هذا المكان المقدس، مثل شيخ الطائفة« الشيخ الطوسي رضي الله عنه». وکما نعلم أن الشيخ الطوسي كان عمره ۲۳ عاماً فقط عندما هاجر إلى بغداد، وتمكن من حضور دروس الشيخ المفيد لمدة خمس سنوات والاستفادة منها؛ إلا أنه بدأ في كتابة الشروح والتعليقات على كتب أستاذه «الشيخ المفيد» في حياته، وهذا يدل على أن الشيخ الطوسي كان يتمتع بمكانة علمية مرموقة قبل هجرته إلى بغداد. من ناحية أخرى، لأنه في تلك الفترة، باستثناء مشهد، كانت بقية مناطق طوس، بما في ذلك تابران ونوغان، هي مناطق نشاط أهل السنة العلمي وكانت مراكز التعليم الشيعي تتمركز في الغالب في مشهد، لذلك يمكن أن نستنتج أن الشيخ الطوسي هو أحد الطلاب الذين تربوا ولمع اسمهم في الدروس التي كانت تقام في الحرم الرضوي الطاهر.
جلسات نقل الروايات في الحرم الطاهر
لقد ازداد هذا النشاط وانتشر في فترات لاحقة، ومع زيادة عدد السكان الذين سكنوا حول الحرم الرضوي وبناء بعض المدارس بالقرب من هذا المكان المقدس، أصبح حضور الأساتذة والطلاب أكثر وضوحا، بحيث أقيمت في بداية القرن السادس مجالس لرواية الحديث بالقرب من الروضة المنورة، وقام العديد من علماء وأعيان الشيعة، مثل الفضل بن الحسن الطبرسي، صاحب تفسير «مجمع البيان»، بالمشاركة الفعالة في مجال رواية وسماع الروايات في هذا المكان القدسي، وجاء في أحد مسانيد «صحيفة الرضا (ع)» عن الشيخ الطبرسي أنه استمع إلى هذه الرواية عن عبد المنعم القشیري تحت القبة التي تضم مرقد الإمام الرضا (ع) في سنة ۵۰۱ قمرية وأخذ الإذن منه في روايتها. وفي فترات تاريخية لاحقة، ومع تنظيم الهيكل الإداري للعتبة الرضوية المقدسة، أصبح التدريس جزء من هيكلية هذه المؤسسة، وتشير الروايات التاريخية إلى تعريف وظيفة "المُدرس" في حرم الإمام الرضا(ع)، والتي يرجح أنها ظهرت في العهد التيموري.
في عهد السلطان حسين بايقرا (أحد آخر ملوك العصر التيموري والمتوفى سنة ۹۱۱ هـ) وبأمر منه، تم تعيين أحد السادات الموسويین من سكان مشهد والذي يدعى السيد غياث الدين أفضل محمد بن حسن مدرسًا داخل الحرم الرضوي. واستمرت هذه العملية، بحسب وثائق العتبة الرضوية المقدسة، في فترات لاحقة علي هذا المنوال، وزاد عدد المدرسين في العتبة الرضوية في العهد الصفوي، وعمل ما بين ۱۵ إلى ۲۰ شخصًا كمدرسين في كل فترة. کان يتم تعيين المدرسين في تلك الفترة بمرسوم مباشر من الشاه الصفوي. على سبيل المثال، قام الشاه طهماسب الأول بتعيين «مولانا آقا جان التبريزي» مدرسا في العتبة المقدسة، وكلّفه بتدريس الفقه والأصول والكلام والتفسير والحديث في الحرم الطاهر بجوار الروضة المنورة.
معظم الوثائق المتعلقة بنشاط المدرسين في العهد الصفوي تتعلق بدفع رواتبهم؛ أقدم الوثائق المحفوظة في مركز وثائق العتبة الرضوية بأرقام ۲۷۴۹۳ و ۲۷۴۹۴ تعود لشهر ذي القعدة سنة ۱۰۰۳ هجرية قمریة.
في (عهد الشاه عباس الأول) يوجد وثائق تدل على دفع راتب «لمولانا عبد الكاظم» والذي كان مدرسا من مدرسي العتبة الرضوية المقدسة المشهورين الذين كانوا يدرسون بجانب الروضة المنورة والأروقة المحيطة بها، ويمكننا أن نذكر أيضا «مولانا عبد الله الشوشتري» و«مولانا محمد رستمداري»، الذي استشهد أثناء الهجوم الأوزبكي على مشهد سنة ۹۹۷ قمرية بسبب وقوفه في وجه الغزاة.
خلال الفترة الأفشارية، أصبح وجود المدرسین ثابتا في الحرم الطاهر، وكانوا، بالإضافة إلى مسؤولية التدريس الرسمي في الحرم الرضوي، مسؤولين أيضًا عن تدريس المسائل الشرعية لخدام الحرم الطاهر.
مخطوطة عليشاهي الشهيرة، والتي تعتبر إحدى وثائق الوقف المهمة داخل العتبة الرضوية المقدسة في تلك الفترة، تضم أسماء بعض مدرسي وعلماء العهد الأفشاري؛ مثل «ميرزا مقيم» الذين كانوا مسؤولين عن التدريس في الحرم الرضوي.
استمرت هذه العملية خلال الفترة القاجارية أيضا؛ وكان المرحوم محمد تقي الأديب النيشابوري، المعروف بأديب الثاني (المتوفي عام ۱۳۵۵ شمسي) والذي يعتبر أحد أبرز العلماء في حوزة مشهد العلمية، آخر مدرس رسمي في العتبة الرضوية المقدسة.
تأثير التدريس على بناء الحرم الرضوي
كما ذكرنا سابقا، كانت المحاضرات في حرم الإمام الرضا (ع) في القرون الأولى تقام داخل الروضة المنورة والمناطق المحيطة بها، لكن فيما بعد، نتيجة اتساع مساحة الأماكن المباركة، تم اختيار أماكن محددة لهذا الأمر، مثل مدرسة بالا سر « المدرسة التي تقع في الناحية المجاورة لرأس الإمام»، ومدرسة پايين پا« المدرسة التي تقع في الناحية المجاورة لقدمي الإمام»، وتوحيد خانه« بيت التوحيد»، ودار السيادة، وأحيانًا فناء وصحن مسجد گوهر شاد« مسجد جوهر شاد»، إلا أن بعض المختصين في عمارة الحرم الرضوي، مثل المهندس «الديشيدي»، يرون أن الغرض من إنشاء الأواوين في الحرم الطاهر هو إقامة حلقات الدروس ومباحثة العلم. ووفقاً لهذا الرأي، فإن الأواوين في الحرم الرضوي، كغيرها من المباني ذات الاستخدام التعليمي الديني في تاريخ إيران الإسلامية، تم بناؤها بهدف إيجاد مساحة مناسبة للتدريس.
في الحقيقة، تم استخدام الإيوان كمدرسة وكان الأساتذة يدرسون العلوم المختلفة فيها. وكانت فائدة هذا العمل، بالإضافة إلى الاستفادة المؤثرة لمساحة الأماكن المباركة، هي إمكانية استفادة المزيد من الأشخاص كمستمعين من جلسات الدرس التي يمكن للجميع المشاركة بها؛ كدروس التفسير والتي لها جمهور كبير وكان الكثير من المستمعين يثابر على حضورها والمشاركة بها. ورغم أننا لا نستطيع أن نعتبر وجهة النظر هذه عامة تصدق على جميع الأواوين لمبنية في الأماكن المباركة، إلا أنه من المؤكد أن قسما من الأواوين المبنية في الحرم الرضوي، وفقا لما شاهدناه في بعض النصوص التاريخية، كان مخصصا للتدريس والتعليم. في الحقيقة، يمكن اعتبار هذا الأمر شهادة موثقة على التاريخ الطويل للتدريس في الحرم الرضوي الطاهر.
تعليقك