عندما يلمس شباك الضريح، يصبح هذا الضريح كبيرا كالسماء، سماء صافية ومشرقة وواسعة وغامضة إلى حد لا يوصف، وكأن كل من الأفنية والأروقة عبارة عن ممر تاريخي طويل امتد ليجذب، الحائرين من أهل الأرض المظلمة، إلى مصدر ضوء مختبئ بين أذرع الشبكات الذهبية.
ولكن ما الذي يحدث في هذا المكان؟ المكان الذي له جذب لامتناهي؛ حيث يركض الجميع من جانب مختلف، ولكن يكون مقصد جميعهم المكان نفسه، الذي يكون أفضل تعريف له، أنه المكان ذو البركات في زمن النكبات.
أمشي بينهما؛ بين الأشخاص الذين مدوا أيديهم للمس جمال العالم من خلال تلك النافذة الفولاذية، وهم الذين يشعرون أنه أصبحوا جزءا من الضريح المقدس، عندما ربطوا الخيوظ الخضراء على الشباك لتستجاب دعواتهم؛ فهنا ترى دعوات من كل مكان، من الكويت، من العراق، من لبنان، من المملكة العربية السعودية، من القارات البعيدة، من أفريقيا وأمريكا وحتى من أوروبا. ومن يعلم ما وراء هذه الخيوط من آلام وآمال؟
ترى في هذه الخيوط، عيون متفائلة وقلوب منكسرة، وأرواح المتعطشين للتوبة، والمظلومين والظالمين واللصوص والمعلمين والمهندسين والنساء والرجال، حيث هنا تجد أي شخص بأي وجه ومن أي جغرافية قد يبحث عن نفسه؛ وذلك بغض النظر عن ماضيهم البارد والساخن والمرير والحلو. فهم أتوا إلى هنا ليتحرروا ويتطهروا من المعاناة المستمرة، ولترجع أرواحهم الميتة للحياة مرة أخرى وهم بجانب ضامن الغزلان، وبعد موتهم هذا يعودوا أحياء إلى أوطانهم.
يقبلون النافذة الفولاذية بشفاه مرتجفة ويعودون ليكونوا ضيوفاً على سجاد رقم ۸ من بيوت الجنة الأربعة عشر، وأشرقت شمس الخريف في سماء مشهد، وبرق ضوءها على رؤوس الزوار، ما أجمل وجوه هؤلاء القادمين والدول، الذين لجأوا إلى الإمام الرؤوف، إذ يضيئ في وجوههم نور يفوق سائر أنوار الدنيا، فالجميع هنا مثل الأطفال الذين رأوا بعد سنوات أباهم الحنون.
أنا غارق في توهج عيونهم الشفقية، التي لا ترفع ناظرها عن القبة الذهبية، والغرق يأخذني إلى همس العجوز العراقية، التي تنادي باسم الملك وتقول إنها جاءت لتزيل التراب من عتبة السماء بعبايتها السوداء، حيث تمشي منحنية من الآلام، وعيناها الحزينتان تدلان على صدق حبها للإمام.
وهنا تقف جنبي فتاة لبنانية، التي قدمت الجانب الثاني للبحر الأبيض المتوسط، وحلت ضيفة على ملك خراسان، فلما مسكت بالضريح المقدس ارتجف كل جسدها، وسألتها "هل أنت بخير؟!"، أجابت وهي تحدق في القبة وعيونها مليئة بالدموع: "وكيف لا أكون بخير وأنا واقفة أمام الإمام الذي يقف دائماً عند المنكسرة قلوبهم".
أقف بجوار السقاية وأوبخ نفسي، وروحي الأمارة للسوء، ولا إراديا تمطر عيوني، العيون التي انتهكت حرمة، وقدرت الزوار بشكل خاطئ. وأنا لازلت في مكاني وأرى جميع هؤلاء الناس، الذين يختلفون بلون البشرة واللهجة والرغبات وتبعد بيوت بعضهم عن بعض، وبعضهم قريبين والجيران، وبهذا يمتلئ رأسي بسؤال لطالما أشغلني: "ما هو السر الذي يحي النفوس الميتة، في هذه الأرض المقدسة؟"
فسمعت رجل مسلم سني، على مشارف السبعين من عمره، بلهجة عربية سعودية غليضة كرمال صحاري المملكة العربية السعودية، يقول وهو يضع يده على صدره: "رضي الله عنك يا علي بن موسى الرضا".
تعليقك